يوسف سوداني.. عبقري الرياضيات بقفصة وحلم الطاقة النووية
بين الساعة الواحدة بعد الزوال والخامسة مساءً من يوم إعلان النتائج، عاش التلميذ يوسف سوداني تفاصيل زمنية حبست الأنفاس. كانت ساعاتٍ مشحونة بالتوتر العالي والانتظار الثقيل، امتزج فيها القلق بالأمل، وتحولت غرفته إلى ساحة ترقب لرسالة نصية قصيرة تحسم حصاد عام كامل من البذل والعطاء.
ومع حلول الساعة الخامسة، انقشع الضباب وولدت الفرحة الكبرى.. يوسف يتربع على عرش امتحان البكالوريا في ولاية قفصة بمعدل باهر أثلج الصدور.
فلسفة النجاح: انضباط.. شغف ومسامرات المبيت
لم يكن هذا التميز وليد الصدفة أو ضربة حظ، بل كان نتاج معادلة واضحة صاغها يوسف بنفسه، قوامها "التوكل على الله والعمل الجاد"، إذ يرى يوسف أن هذه الثنائية هي المفتاح الوحيد الذي يفتح أبواب التميز.
وعند الحديث عن شعبته، "الرياضيات"، لا يصفها يوسف بأنها مجرد أرقام جافة، بل يعتبرها شغفاً حقيقياً يتطلب درجات عالية من الانضباط والتعلق. هذا الانضباط صُقل خلف أسوار المعهد النموذجي بقفصة، حيث عاش تجربة الإقامة بالمبيت المدرسي. هناك، ورغم ضغوط الدراسة، نجح في خلق توازن ذكي بين واجباته المدرسية وحياته اليومية؛ فكانت تلك اللقاءات والمسامرات التي تلي وجبة العشاء مع زملائه، بمثابة متنفس ضروري لتبادل الآراء، وتخفيف الضغط، وشحن الطاقة لمواصلة المشوار.
الوالدان.. السند المعنوي الثابت
وفي غمرة الاحتفال بهذا النجاح الباهر، لا ينسى يوسف أن يوجه بوصلة الفضل إلى مصدر قوته الأول: والديه. فقد شكلا طيلة الرحلة سنداً معنوياً استثنائياً، ولم يقتصر دورهما على توفير الظروف المادية فحسب، بل كانا الموجه الحكيم والناصح الأمين والمشجع الدائم في لحظات التعب. هذا الدعم النفسي كان، بحسب تعبيره، الركيزة الأساسية التي ثبتت خطاه ومنحته الثقة لتحقيق هذا الإنجاز.
ما وراء الأرقام: الشطرنج.. الكرة الإنقليزية وطموح "النووي"
شخصية يوسف لا تنحصر في حدود الكتب والمناهج المدرسية، فهو شاب يضج بالحيوية وله اهتمامات واسعة. في أوقات فراغه، يجد ضالته في رقعة الشطرنج، تلك الرياضة الذهنية التي تحاكي في تفاصيلها ذكاء الرياضيات وتدرب على التخطيط والصبر.
كما ينبض قلبه على إيقاع الساحرة المستديرة، حيث يتابع بشغف كبير كرة القدم العالمية، وبالخصوص الإثارة والندية في الملاعب الإنجليزية، متتبعاً مسيرة أبرز نجوم اللعبة ومستمتعاً بتكتيكاتها المعقدة.
أما عن المستقبل، فإن طموح ابن قفصة لا يعترف بالسقوف، إذ يطمح يوسف بكل ثقة إلى الالتحاق بالمراحل التحضيرية للدراسات الهندسية، واضعاً نصب عينيه هدفاً نوعياً واستراتيجياً: التخصص والتعمق في مجال الهندسة والطاقة النووية. وهو حلم يعكس وعي هذا الجيل الجديد بأهمية العلوم الدقيقة والطاقات البديلة، ويؤكد أن قفصة ولادة دائماً لعقول قادرة على قيادة تكنولوجيا المستقبل.
عماد التومي